قطب الدين الراوندي
362
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
خطابهم إذا كان مما يتجلى ( 1 ) الحال فيه وأما إذا غمض فلا يمتنع أن لا يعرفه مع كمال العقل ، وعاشرها علمه بوجوب كثير من الواجبات العقلية نحو الانصاف وشكر النعمة وقبح كثير من المقبحات نحو الظلم والعبث وحس كثير من المحسنات نحو الاحسان إلى المحتاج وارشاد الضال . وعلوم العقل هذه العشرة ، إذ لو كان أمرا زائدا على ذلك كما يزعمه الفلاسفة لكان يصح فيها طريقة الانفصال ، إذ لا علقة بينها من وجه معقول ، وكان يجب صحة ان يكون المرء عاقلا من دون هذه العلوم أو لا يكون عاقلا وان حصلت له هذه العلوم ، والمعلوم خلافه . والعقل في اللغة المنع ، فهذه العلوم تمنع المرء مما يشتهيه من القبائح تشبيها بعقال الناقة ، ولهذا لا يطلق هذا الاسم على اللَّه لا نفيا ولا اثباتا إلا على وجه يزول معه الابهام . وقوله « وبرق له لامع كثير البرق وأبان له الطريق » هذا من تمام وصف من نعته من أول الكلام . وبرق السيف : أي تلألأ . ولمع الشيء : أي أضاء فهو لامع . وأبان : أظهر . وقد أشرنا إلى معنى قوله « قد أحيى عقله » ، ويجوز أن يكون معناه : أن الكيس من استعمل علوم عقله فأحياها وقمع هوى نفسه وشهواتها فأماتها حتى يضعف هواه وبدنه ودق ورق عظامه وشهواته . وروي : انه في وصف رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله ، وانه إذا استعمل العقل تولدت من نظره المعارف الواجبة عليه من التوحيد والعدل ، وان رفعته ( 2 )
--> ( 1 ) في ص : تجلى . ( 2 ) في د ، ح وهامش م : دفعته .